المقريزي

382

إمتاع الأسماع

ومع ذلك فإن كل من في الأرض ما بين أقصى السند إلى أقاصي خراسان ، إلى ثغور الديلم والجزيرة والشام ، إلى منتهى بلاد الأندلس ، إلى سواحل البربر إلى بلاد السودان ، وما بين ذلك من الأمم ، كلهم ينقلون القرآن كما هو ، ولم يكن ممنوعا ولا مكتوما عن أحد . وكل من ذكرناه كانوا أعداء متباينين ، وأحزابا متجانبين ، وقوما لقاحا لا ملك عليهم لأحد عليهم ، فانقادوا لظهور الحق ، وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم وهم لا يخافون منه ، كباذان الملك بصنعاء اليمن ، وحيفر وعياذ ابني الجلندي ، والملكين بعمان ، والنجاشي ملك الحبشة ، وصاروا إخوة كبني أب وأم ، وانحل كل من أمكنه منهم عن ملكه ، وأرسله إلى ولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، طوعا ، كذي الكلاع وذي ظيلم ، وذي روذ ، وذي مران وغيرهم من ملوك اليمن ، وملك عمان والبحرين ، وشهر بن باذام ، إلا من لا يمكنه ذلك خوف قومه كالنجاشي ، وهذا أمر مشهور منقول بنقل الكواف ، وأذعن سائر من ذكرنا بغلبة سيوف الحق ، دون مال أعطاه صلى الله عليه وسلم ، ولا ملك منى به من نصره ، بل حضهم بأجمعهم على الصبر ، وأنذر بالأثرة عليهم أنصاره . ولم يكن إسلام الأنصار الذين هم الأوس والخزرج ، إسلام أكثر أهل مكة ، وأهل البحرين ، إلا لما بهرهم من المعجزات ، وهو صلى الله عليه وسلم حينئذ مطرد مشرد ، لا ملك له ، ولا عوان ، لا يقرأ ولا يكتب ، قد نشأ في بلاد الجهل ، بينما لا مال له ، بل كان يرعى غنم قومه على قراريط يتقوت بها ، فعلمه الله تعالى الحكمة دون توسط معلم ، ولا تدرج يتعلم ، وعصمه من كل ما أراد على كثيرة أعدائه ، دون حرس ولا ستور ولا أعوان ، وحماة الدنيا وزينتها ، واختار تعالى له أرفع الدرجات من الدعاء إلى ربه وإلى دينه فقط . فهذه هي الحقائق المشهورة ، لا ما تدعيه النصارى فيما بأيديهم من الإنجيل أنه منقول بنقل الكواف ، وأن الملوك دخلت في دينهم اختيارا فإن الأمر بخلاف ذلك ، وبيانه أن الإنجيل ما هو إلا كتاب كتبه أربعة : اثنان من الحواريين